كاب أوريونطال.كوم : محمد بوتخريط   هولندا //

مضت الأربعين يوما من قسوة الفراق ولوعته..
احقاً انها الذكرى الاربعين لرحيله القاسي الموجع..؟
طيب القلب كان .. بشهادة القريب والبعيد..

قبل اربعين يوما أو أكثر بقليل ،كانت اللحظة، لحظة وداع خاطفة أطلت لتقرع اجراس الحزن والى … الابد..
رحل بهدوءه الذى تعودنا عليه فلم نعد نسمع غير همس الصمت..

أعلم أيها الموت ، أنك اليقين وأنك آتٍ ذات يوم لا محالة..
لكن دعني أصارحك بألم أنك مؤلم جدا عندما تفرقنا عن الأحبة .
تجعل رحيل الأحبة خنجرا يؤلمنا .. يوجعنا ، يعذبنا أشد ما يكون العذاب.
كم يحرقنا الفراق المفاجئ ويؤلمنا الغياب القاتل…

قبل اربعين يوما أو أكثر بقليل..رحل عنا ..
فقط هو عزائنا ، في ذاك الجميع من حولنا وهم يتمنون أن ينالو خاتمته “الجميلة”..
وكأن الله سبحانه وتعالي قد استجاب إلي دعائه ..والى ما كان يردده دائما “اللهم ربي ان شاء الله ‘ قَدْ الصَّحَّة قَدْ العْمَر’ ” .
توفاك كما كنت تتمني دائما ، أتدري لماذا؟ لأنك أطيب الناس ، تحمل قلباً واسعا يسامح الجميع و يغفر لهم ، لأنك لم تؤذ أحدا في حياتك لا بالقول أو الفعل، بل كنت دائما مسامحاً حتى في حقوقك .

قبل اربعين يوما أو أكثر بقليل…
ترك ابنتي ، تبحث في الدروب عن رحيقه الضائع ..عن وجهه الاخر …عن مدائن الحب الجميل … وعن هدية عيد ميلاد.
قالت ذات مساء أنها لا زلت تراك ، وتشم رائحتك ، وتسمع صوتك في المنزل رغم انتقالك إلى منزل آخر خيرا منه ..

اليوم تمر اربعينيتك..
وتفاصيل وداعنا الاخير مازلت اتذكرها تماما وكأنها حدثت اليوم …لم أشعر بان وجعي قد خف ، واشعر أن الشوق يزداد .
أتذكر حين اجتمعنا بالمستشفى (اجتماعنا الذي لم أكن اعلم أنه الاخير ) لنفطر آخر افطار…وذهبت أنا الى هولندا ..عدت أنا بعد يومين لكني لم أجدك هناك لنفطر معا ..
لم استوعب الصدمة وبدأت اتساءل : ماذا سيحصل ؟
اخواني بكوا كثيرا . وانفجرت بنات العم بالبكاء وكنت خائفا جدا على الجميع وقلت في داخلي “هل يتوجع أبي من بكائهم ..أم يرتاح …؟
ولم أبكي أنا…

ما اصعب هذه اللحظات.. لقد شعرت ان روحي قد خرجت معه عندما اعلنوا عن وفاته .. انسحبت الى زاوية ثم الى دورة مياه وبكيت كثيرا ولا زلت ابكيه وسأبقى حتى يقضي الله امرا كان مفعولا .
لم استوعب أنه لم يعد معنا، فقبل يوم واحد كنا سوية والتقطنا الصور وشاركنا في أشياء كثيرة ..
اكلنا سويا وبعده قال لي وانا التهم بعض طعام المستشفى، ممازحا “أصبح أكل المستشفى الآن لذيذاً..!!! ألم اقل لك أن تذهب الى عملك وعائلتك” .
عملت بنصيحته ، لكني حين عدت ، وادخلني أحبتي عنده ..كان نائما نوما عميقا ، فاحتضنته وعانقته بكل الم و وجع ..
تساءلت ،أهو وجع عابر وفقط؟
لكنه كان وجع الفراق الابدي الذي لم استوعبه الا بعد ان أهلنا التراب على جثمانه الطاهر .. عندها ادركت انه قضي الامر .

في الوداع الاخير ، حين دخل الدار في صندوق محمولا على الاكتاف ، لم يدخل علينا مبتسما ويقول ” سلام” … هذه المرة كان نائما .. قلت له في صمت “باكرا جدا يا أبي ” وبعد لحظات اخرجوه من البيت وكان هو الوداع الاخير.

واليوم يهاجمني قول ابنتي بعنف “سيأتي العيد وسنبكي كثيرا ستغيب ابتسامته وحيويته عن الدار التي كان يملؤها فرحا” .
ابتسمت بألم في وجه ابنتي ..وفي داخلي ايمان واقتناع راسخين أننا مهما نتباهى بالصبر ، ونكابر ونتسامى على الجراح ، سيبقى الالم ملازما لنا .
فالى جنان الخلد يا أبي وحتى نلقاك امام العلي القدير ، سنبقى اوفياء لروحك الطاهرة .
فهناك …هناك حيث لا يزال الجرح مفتوحاً لم تمت..