كاب اوريونطال .كوم :بقلم : الاستاذ صالح العبوضي

موسم الهجرة إلى الشمال رواية كتبها الطيب صالح في بداية الستينات من القرن الماضي. في هذه الرواية يزور مصطفى سعيد، وهو طالب عربي، الغرب. مصطفى يصل من الجنوب، من افريقيا، بعيدا عن الثقافة الغربيةإلى الغرب بصفته طالب. يحصل على وظيفة كمحاضر في إحدى الجامعات البريطانية ويتبنى قيم المجتمع البريطاني. هناك يتعرف إلى زوجته، جين موريس، وهي امرأة بريطانية ترفض قبول املاءات زوجها. بعد سبعة أعوام يعود مصطفى إلى بلاده.

هذه خلاصة لرواية احداثها حقيقية،تبين استحالة تعايش الثقافات في ظل قيم مجتمعية تكرس الانا وتحتقر الاخر في خضم تباين موازين القوى وتدهور دول الجنوب اقتصاديا وامنيا.

  في بداية الستينات عرف المغرب كذلك هجرة مماثلة الى اوروبا،عبر تصدير الالاف من اليد العاملة المغربية الى اوروبا للمساهمة في اعادة بناء ما حطمته الحرب العالمية الثانية،واشتغل مهاجرونا في الاشغال ذات الطابع الشاق كبناء القناطر والجسور وشق الجبال…ولان الجيل الاول لم يكن متعلما ولم يتشبع بثقافة الاحتجاج وليست له دراية بقوانين الشغل،وكان همه الاساسي هو اعالة العائلة التي هاجرها .تكيف مع الوضع وكان مطلبه الوحيد استقراره السري وتعليم ابناءه.

بعد الجيل الاول فتحت اوروبا ابوابها للتجمع العائلي بعد الانصياع لضغوط المنظمات الحقوقية ،معلنة عن ظهور الجيل الثاني من المهاجرين المتشبع بقيم الجنوب والممتلك لحد ادنى من المستوى المعرفي،الذي ساهم في شبه اندماجه في المجتمع الاوروبي مع محافظته على روابطه الاسرية واصوله العرقية.وانصياعه لارادة الوالدين.

لكن الجيل الثالث لم تستطع دول الشباب في ضبطه تربويا وقيميا رغم انه ولد ودرس واشتغل هناك،هذا الجيل الذي فقد هويته ،في ظل رفضه لثقافته الاصلية وعدم رغبة الشمال لاحتضانه.

 في ظل هذه المتناقضات ما الذي يحفز شباب اليوم على الهجرة الى اوروبا ؟رغم معرفتهم المسبقة بمصيرهم،المتمثل حتما في الاقصاء الاجتماعي والعنصرية،والارتماء في احضان البطالة،وبالتالي امتهان الانحراف والادمان على المخدرات او النزوح الى التطرف والارهاب.

  مواطنون في ريعان شبابهم بطرق او اخرى يوفرون مصاريف المغامرة الى تركيا،ثم الى داعش او المانيا حسب الهدف المسطر مسبقا،في تركيا يفتتح سوق التجارة في البشر،كل شيء للبيع وتقبل جميع العملات بما فيها الجسد،مافيا دولية في استقبال ابناءنا لتشجيعهم على ركوب المغامرة،والسفر عبر البحر والنهر والجبال واجتياز العشرات من الحدود وكل اصناف المراقبة ،بهويات ليست بمغربية،حيث يتقمص الجميع لغة وسلوك السوريين والعراقيين،في اكبر انفصام للشخصية عرفها التاريخ.

الهدف المسطر هو المانيا او احدى الدول العظمى في اوروبا،لكن المستحيل في هذه الهجرة هو ان الجنة لم تعد في القارة العجوز،التي بدات تراجع مبادئ حقوق الانسان والتسامح والاعتراف بالاخر،اوروبا التي غدرها ابناءها الذين قادوا عمليات ارهابية ضد وطنهم وجنسيتهم باسم الدين والاسلام،اباعود وصلاح ابراهيم ماهم سوى منتوج غربي باصول اسلامية،منتوج لم تستطع مدارس اوروبا ترويضه واقناعه بالثقافة الغربية،شباب فقدوا الهوية والانسانية فانساقوا الى العنف المزدوج ،قتل الاخر لانه رفض احتضان المهاجر وقتل الذات عبر الانتحار لان تلك الذات انفصمت ولم تعد تتعرف على نفسها،لهذا فالهجرة الى الشمال ،هجرة مستحيلة .