• "
  • تواصل معنا
  •  كاب أوريونطال.كوم : بقلم : ذ بوزيان موساوي//
    توطئة:
    ـ الشاعر:
    من ديوانه “حنين إلى زمن الحروف”، اخترنا صدفة لا حصرا، قصيدة “بين السماء و البحر”، لنحلق تارة في أجواء سمائها، و نسبح تارة أخرى في أغوار بحارها من خلال هذه القراءة المتواضعة لقصيدة كاتبها شاعر ليس بكتاباته فحسب، بل بأخلاقه و إنسانيته، و تعامله، و كرمه، و صدقه… و يعتبر عبد الحق حسيني هذا الديوان (ديوانه الأول) بمثابة “شهادة ميلاده كشاعر”:..نقرأ من قصيدة “عودة” (مختارة كظهر غلاف الديوان)
    ” في هذه اللحظة أعلن يقظتي،
    أعلن خروجي من شرنقتي
    كما تبعث فراشات الفجر،
    أشهد ميلادي”
    بـ ـالمتن:
    القصيدة/ المتن التي نحن بصددها (ه) نص شعري يؤرخ للحظة انفعال وجداني… رغبة ( صرخة/ متعة) جامحة في إطلاق حمم ساخنة/ باردة من فوهة قلب به زخم من تراكمات ترسبت في كيانه إن غبطة و فرحة، إن قرحة و ألم و أسي نص شعري قارب ببنائه القصيدة النثرية، تتغذى ذات الشاعر من خلال ثناياه بتموجات لغة مترددة بين حلم شاعر، و إكراهات واقع… لغة تعبر عن مخزون مشاعر صارخة رغم صمتها، تتحكم فيها مناعة الانسان القوي، العالم شعرا و نثرا بمتاهات جحيم/ نعيم المعيش اليومي السعيد/ الأليم.. نص شعري يحيل بتناصه، و اقتباساته، و توظيفاته على دراية عالية بأمهات الكتب المتنوعة الأجناس و المضامين و المقاربات… نص يستبيح، كما عند كبار الشعراء الحداثيين، القفز الذكي و الأمين على بعض القواعد اللغوية الجامدة، بتوظيف الانزياحات النحوية و البلاغية و الأسلوبية تركيبيا و صورا، و موسيقى…
    نقرأ النص معا:
    “أمشي على جسد البحر
    أتبع ألوان المكان
    أقدامي حافية
    تغوص، ليس لها قرار
    ترتبك الحروف في مخيلتي
    تمسحها أيادي العابرين
    تنتقل إلى سفر التكوين
    تأسر بالليل حنجرتي.
    يا سيدة البحر
    أوقدي قناديلك بالليل
    اتركي سلاسلك توصدني
    تجذبني كأول السيل.
    عدت مع رياح اليم
    تنفخ في أشرعتي
    أسترد بياض الغيم.
    ألقي نجومي بسحر
    فوق الرمال الثائرة
    بين السماء و البحر
    أبحث عن قلوب حائرة.”
    1 ـ ما ورائيات البلاغة و الانزياحات التقليدية:
    اقرؤوا معي نماذجا تجسدها الصور التالية على سبيل الاستئناس:
    ” أمشي على جسد البحر”… و ” ترتبك الحروف في مخيلتي”… و ” عدت من رياح اليم”… و “ألقي بنجومي فوق الرمال الثائرة”…
    تركيبة و مخيال صور كهذه تتجاوز “كليشيهات” البلاغة التقليدية… تستفز القارئ المعتاد على نمطية سلاحها “ما هكذا قال العرب”، لأنه لا يجد في المقروء، الذي نحن بصدده، شروط تمثل المجاز، و صياغة مختلف أنواع التشبيه، و المقارنة، و الاستعارة و الكناية …
    و لكنه بذكائه كقارئ عالم بخبايا و كواليس الشعر و الابداع الأدبي قديمه و حديثه، لن يكون بإمكانه ـ أمام جمالية المقروء ـ إصدار حكم قيمة انطباعي، و يصنف صور القصيدة في خانة “فنتازما الدادا”، أو “هلوسات العبث السريالي”: لقد استطاع الشاعر عبد الحق حسيني أن ينسج بمغزل حروفه صورا قد تشبه إيهاما لوحات الرسام سالفادور دالي، و قد يتراءى للبعض إسقاط ما يشبه “الكتابة الأوتوماتيكية (Ecriture automatique) كما عند الروائي منظر السريالية آددري بروطون، على النص الذي نحن بصدده…
    “المشي على جسد البحر” و “إلقاء النجوم فوق الرمال “ليستا صورا عبثية، إنها تذكرنا بطقوس مشرقية آسيوية روحانية معروفة لدى البوذيين، توحي على قدرات خارقة لبعض بني البشر تمكنهم من المشي فوق الماء، أو الاكتواء بالنار، او مقاومة جاذبية الأرض، إلخ… و هو عالم عجائبي غرائبي، قرأنا عن بعض تمظهراته في الأدبيات الاغريقية القديمة، و في بعض “الأزليات” العربية/ الفارسية.. و قد تمت عصرنة تيماته و تصوراته مع كتاب عالميين كبار مثل هوفمان و كافكا و إدغار بو…
    و صراحة ، و ليست مجاملة مني لصديقي عبد الحق حسيني، كان لهذه الصور الغرائبية وقع محمود لدى العديد من القراء، ليس لجمالية البناء و اختيار اللفظ و الصور و الموسيقى… بل لأن لمدلولات الدالات في نصه معاني أعمق من أن تكون كتابة قصيدة لأجل القصيدة… و يتبن ذلك في ما يلي:
    2 ـ تماثلية الواقع و الخيال في قصيدة “بين السماء و البحر”: (la vraisemblance):
    المخاطبة (بفتح الباء) في هذا النص ليست حبيبة، لقد ناداها الشاعر ب “يا سيدة البحر”، و لهذه السيد حكاية عند الصليبيين يهودا و نصارى تشبه إلى حد بعيد ما تقاسيه ساكنة شط البحر موطن الشاعر… الحكاية في أصلها تقول: ” في 03 أيّار 1923، تمّ تدشين كنيسة سيّدة البحر – جَلّ الديب، على نيّة اللبنانيّين، الذين هاجروا سعيًا وراء رزقهم. وقد سبّبت هذه الهجرة الكثيفة ألمًا عميقًا في نفس “أبونا يعقوب”. وبقيت جمعيّة راهبات الصليب تحتفل بعيد سيّدة البحر، في هذا التاريخ من كلّ عام، واضعةً تحت حماية العذراء سيّدة البحر جميع اللبنانيّين المنتشرين في أربعة أقطار العالم.”
    و وجه الشبه يتجاوز مجرد طقس ديني.. هو واقع ملايين الشباب من موطن الشاعر من ركبوا البحر نحو فردوس وهمي (أوروبا) بحثا عن فرص شغل لضمان عيش كريم… مهاجرون/ هاربون سريون تغطيهم السماء و يفترشون البحر يمنيهم بأمل و يتوعدهم بالغرق… و هي تحية من الشاعر لكل مغاربة العالم حيثما وجدوا من جهة، و رسالة للحالمين بالهجرة إلى ضفف الأمل المنشود مفادها أن لا حياة فعلا بين السماء و البحر… و أن هذا النهي/ النفي في حد ذاته يثير علامة تعجب الحيرة:
    “ألقي نجومي بسحر
    فوق الرمال الثائرة
    بين السماء و البحر
    أبحث عن قلوب حائرة”.
    3 ـ محاكاة الحرف لغياهب نفسية الشاعر:
    و لأن الحلم/ الأمل يتجاوز مجرد تنهيدات قصيدة، و تغريدات شاعر.. و حتى ترجمة واقع بالإحالة على حكاية/ أسطورة، فلقد أصبحت الحروف هي الأخرى مجرد خطوط رمال مثلومة آيلة للمسح تتلعثم مترددة رغم جماليتها:
    ” ترتبك الحروف في مخيلتي
    تمسحها أيادي العابرين”
    كما أصبحت (الحروف) مجرد وهم عابر، حبيسة نفسها، و مرتبكة، و مختنقة:
    تمسحها أيادي العابرين”، و” أتركي سلاسلك توصدني”…و”ترتبك الحروف في مخيلتي”.. و ” تأسر بالليل حنجرتي”…
    لكن هذا الحرف بكل هذه الانفعالات المختلفة أراده الشاعر حيا، و فاعلا، و مؤثرا، برسائل مضامينه، و بجمالية تعبيره… حرف “ثائر كالرمال (“ألقي نجومي بسحر / فوق الرمال الثائرة”)، يطمح جادا لإعادة طرح إشكالية الوجود من جهة كما في المقاربات الابستيمولوجية (فلسفة الخلق و النشأة) بالعودة لا للوراء بل قدما إلى الأمام نحو “سفر التكوين”:
    “تمسحها أيادي العابرين
    تنتقل إلى سفر التكوين”…
    يعود الحرف (القصيدة) بعد أن “مسحتها أيادي العابرين” ليصبح “بياض غيم”:
    “عدت أسترجع أمتعتي
    أسترد بياض الغيم”
    صورة جميلة جدا… فبدل اليراع و الدواة و الحبر، لجأ الشاعر إلى استعمال “أمتعة أخرى”، استعادها من جحيم/ نعيم “بين السماء و البحر”.. على شكل “بياض غيم ” ـ وما كان لون الغيم أبيض أبدا ـ ليكتب قصيدة الانفراج: هي العودة إلى “الأنا” ذات الشاعر بصيغتي المفرد و الجمع معا… هي العودة للكتابة، هي الحنين إلى الشعر، هي القصيدة و الديوان، هي الوجود و حب الحياة من جديد… نقرأ على ظهر غلاف الديوان (حنين إلى زمن الحروف) :
    “(….)
    كبركان من أعماق المحيط،
    لهب و لهفة و شوق للكلمات
    أو كدب يخرج من سبات،
    ليعلن بداية الربيع
    و ما تبقى
    لبحر الشعر من ذكريات”
     
    و لنا عودة
    ذ. بوزيان موساوي، كاتب من المغرب

    اترك تعليقا

    Caporiental.com © جميع الحقوق محفوظة 2014