كاب اوريونطال.كوم /محمد بوتخريط : هولندا

ولدتُ هناك في بيت يُطلّ على البحر ، ولو من بعيد . وكانت الرؤية تسرح بي من حين لآخر إلى مكان آخر ليس ببعيد .. الى شاطئ هناك غارق في غموضه.
لا حدود لأمانيه ولا مكان للإحباط أو التراخي عند أهل المكان هناك ..

هي ر أس الماء أو راس كبدانة أو بالنطق المحلي وكما اسمها موشوما في ذاكرتنا ..”قابو ياوا”. تلك الساحرة هناك ..تقاوم هشاشة بنيتها التحتية لتحافض على موقعها كنقطة ضوء في سماء ‘شبذان’ الحالك .

اتذكر .. في وقت سابق كانت جميع الأماكن بخلافها محصورة على اهاليها و”محظورة” على غيرهم، وهي الساحرة كانت ولا زالت تفتح ذراعيها للجميع .

في “قابوياوا”، الهدوء ملجأ لمن أراد الاستجمام والراحة النفسية.حين تمر في شوارعها، رغم طرقها الضيقة، بفعل غياب الإنماء واهتمام الدولة، إلا أنك تلاحظ طيبة أهلها وصدورهم الواسعة ترحب بالزائرين وتستقبلهم بكرم.

هي منطقة سياحية بامتياز، لكن السياحة ومشاريعها غائبة عنها تماما…السرقة والمحسوبيات تنهش عظام مؤسساتها.

حين تسمع في القنوات الفضائية بعض المسؤولين يتحدثون عن الانجازات الوهمية والمشاريع العملاقة فيها يتبادر الى ذهنك تلقائيا مناظر من كاليفورنيا او شوطئ ميامي . وأما الحقيقة فلا تحتاج لمن يتحدث عنها. منطقة منسية على الصعد كافة.و حكاية الانجازات ليست طبعا سوى فصول من الضحك على الذقون والرأي العام.

كلما حادثت احدا من اهلها، يبدأ الكلام بشكواه من عدم اكتراث الدولة ومؤسساتها بتلك المنطقة.
لكن رغم ظلم الدولة وإهمالها، يجهد أبناء “قابوا ياوا” وفاعلياتها، في تفعيل المشاريع الإنمائية والسياحية قدر المستطاع . لجذب الأنظار إلى منطقة نسيتها الدولة. فما جزاؤها أن تصبح في هامش النسيان؟

نسيان واهمال جعلها اليوم ملطخة بالدمع والعويل ، غارقة في مستنقعات جمة لونها غرقى ومفقودين . وإن حاولت مرة أن تروي ظمأها، فلا تشرب إلا ما فسد مذاقه. تشرق شمسها على أرواح مسفوكة ، وتغرب تاركة وراءها آهات ليل عبيره رائحة فقدان فلذات كبد الاهالي . يطرحون السؤال نفسه بقوة ما أن تتوالى صور ومشاهد الغرقى تطفوا عناويناً على صفحات الجرائد و المواقع الالكترونة في المنطفة : يا وجع المكان ..كمْ جرحاً فيك ؟

حين تغيب جثث الغرقى في البحر .. يتسرع البعض بالقول أن الامر قضاء وقدر وان رياح عاتية حركت امواج البحرهي السبب. لكن، ومع ان هذا القول -الى حد ما – صحيح ، فان الموضوع ليس هنا.

هي، سنوات من الغرق المجنون، ولم يتغير الكثير . ضمائر المسؤولين هناك في إجازة طويلة ، كلّ باقٍ على موقفه وقناعاته، يحتمي بحصونه وامتيازاته.

يرخصون مشاريع للمباني والمقالع والمقاهي .. ويعدمون تنفيذ مشاريع مخطط تنمية المنطقة من تحسين الظروف المعيشية للسكان ، إلى منشآت الخدمات العامة. بل و يُغض الطرف كذلك على محاسبة من أخطئوا وأجرموا في حق المنطقة .

هو…النسيان والإهمال يطال البشر والحجر هناك..

منطقة الصخور “ليروشي” .. منطقة تمتلك من المقومات الطبيعية الجميلة والمميزة ما يؤهلها لتكون إحدى أجمل المناطق السياحية ليس في المنطقة وحسب، بل وعلى مستوى البلد كله في حال ما استغلت تلك المقومات بمشروعات استثمارية سياحية حقيقية وعلى مستوى عال.

اوَ ليس السياحة في مفهومها، نشاط السفر بهدف الترفيه وتوفير الخدمات المتعلقة لهذا النشاط.. فاين الخدمات … يا أهل الخدمات ؟

كل ما يقدمه لنا المكان أو كما يحلو لنا ان نسميه ” ليروشي” ( الصخور) في وضعه الحالي هو قليل من الاستمتاع بجماليته وكثير من الغرقى والحزن والالم . والتائهين هناك على وجوههم في اوحال الزمن الغادر تتقاذفهم اقدام المسؤولين والفاسدين في المكان .

تحضر الصخور والامواج وعلو المكان .. وتغيب الوقاية والرقابة و معدات السلامة والوقاية للمصطافين المعرضين للمخاطر..لا يملك المكان حتى الحد الأدنى من المقومات للتعامل مع ” الامواج العاتية”…او على الاقل ومن اضعف الايمان لوحة توضع في المكان و يُكتب عليها ” على الجميع هنا أخذ الحيطة والحذر”.

لكن ، وفي ظل هذا الواقع “المهّدد”، تغيب الجهود الفعالة والجدية لتفادي الكوارث وتغيب “النية” في خلق مقومات السلامة على نحو يتناسب وخطورة المكان .

أهل واصدقاء واحباب لنا ذهبوا ليصطافوا فغابوا في بحر متلاطم الأمواج .. كان البحر هناك ينتظرهم لمبارزته … معركة بين الأمواج كانت… وهدير بحر تنكسرعلى صخوره راحة راس الماء الناعسة.
لم يدخلوا البحر خلسة.. كانوا يستمتعون بجمالية “ليروشي” فصاروا جثثا ومضغة جاهزة للحيتان ..ابتلعتهم المياه وتحول البحر إلى مقبرة .

اهل الغرقى ..هناك لا يرحلون ، يضلون يترقبون ويترقبون وقد امتلأت قلوبهم بالالم والحزن و بالحذر و لكن حين كان ياتي الليل .. والقمر فيه يضاجع نجومه كان البحر يلفظ قرابينه جثثا مبللة باردة كالصقيع .

ليرحل الأهل تاركين ورائهم حزنا وحسرة ما وسعت الدنيا استيعابها.

جبال وبحر وشواطئ ، وبقايا انفاس العظماء الراحلين، ولمسات الطبيعة… كلها هدايا منحها الله لهذا المكان ليجعل منه قبلة للأنظار… هذا المكان الساحر كان سيكون من اهم الاماكن السياحية في البلد ..لو… لكن غريب فعلا أمر قابو ياوا ، هذه الغارقة في المشاكل من اخمص رأسها الى تحت قدميها .
قابو ياوا التي احتارت في ما تتعرض له من اهمال من طرف من انتخبتهم في افق ان يخرجوها من إهمالها… قابو ياوا “الواحلة ” في أوحالها وأزبالها …

فهل الفت قابو ياوا الإهمال والتهميش والتسيب ؟

“أولي الامر” فيها أمضوا سنوات وسنوات في مناصبهم دون أن يقدموا للمنطقة واهلها شيئا، هؤلاء يجب تغييرهم – يقول اهل المكان- لأن الناس هناك ملوهم . وجوه متكررة .. متسيدة على الاهل هناك يجب تغييرها، والبحث عن عناصر شابة جديدة تؤمن بالعمل الميداني بدل التسمر في الكراسي داخل المكاتب .

غريب أمر قابوا ياوا وأزماتها ، فلا المسؤولين هناك بأطيافهم وتشكيلاتهم امتلكوا رؤية أو طرحوا برنامجاً حقيقيا يحمل وعداً مستقبلياً للسير بالمنطقة الى الافضل ، ولا كل الادارات وعدّتها غيّرت من حالها أو تغيّرت علاقتها بالناس… فعلا…غريب أمر المكان واهله .. وغريبة قدرتهم على التحمل .

لم يتغيّر شيء ومنذ زمن بعيد سوى تكاثر المطاعم والمقاهي والمرتبط اساسا بالأزمة، وضيق الخيارات أمام اهل المكان ، الذين يؤكدون على أن بساطة الخدمة والكلفة معاً هي فقط السبب الرئيسي في الإقبال عليها، فضلا عن توسطها قابو ياوا وقربها من الشاطئ . “نحرص على عدم رفع الأسعار، لأن هذه المهنة تعتبر مربحة بشكل نسبي ” يقول اصحابها “لم يتغيّر شيء في المكان ومنذ زمن بعيد سوى تفريخ البطالة والفساد وتحكم المفسدين وإفقار وتهميش االمنطقة” ، يضيف احد اصحاب مطاعم السمك هناك …ليبقى السؤال الشاغل عالقا ولو إلى حين: إلى متى…؟ومن أين يأتي المخرج والحل لتعديل الرؤية لتكون في الزاوية الصحيحة ؟

فعلا إنّها معضلات قائمة في الواقع وفي المستقبل القريب الغائبة قراءته عن االمسؤولين هناك والكل واقف يتفرج عاجزا عن محاولة استشرافه أو التأسيس لصناعته جميلاً ولو بوعد … صادق.
إذاً هنا الازمة وهنا الحل .

كيف الطريق الى فهم الجاري .. ورصد الواقع على ما هو عليه؟

KAB1KAB7 KAB2 KAB3 KAB4 KAB5 KAB6